الزي الشعبي الفلسطيني في الفن , بقلم سمية عيتاني

حين يكون الوطن على المحك، تشتد أزمة الهوية!

في محاولة لدخول كتاب غينيس للأرقام القياسية، قام الفلسطينيون في الضفة الغربية ومدينة الخليل مؤخراً بصناعة أكبر ثوب مطرز في العالم. بالنسبة للفلسطينيين إنها ليست فقط مشكلة التصدي لسيل العولمة الجارف الذي يغرق العالم بنموذج واحد للحضارة ويلبسه ثوباً ثقافياً موحداً، بل إنها أزمة وجود وكيان يحاول العدو الصهيوني استلابه موروثاته وتراثه ليكتسب شرعية احتلاله لأرض فلسطين، من هنا كان إحياء التراث ضرباً من ضروب المقاومة.


 
 
وتعتبر الأزياء الشعبية واحدة من أهم عناصر التراث الفلسطيني، التي تختلف باختلاف المدن والقرى حتى أضحت مرجعية بنمط تطريزها وعلامة فارقة بنسيجها وألوانها. وهي ترسخ الانتماء للأرض إذ تعود بعض وحدات التطريز المستخدمة الى عهود سحيقة من تاريخ المنطقة، كالنجمة المثمنة التي كانت تمثل الهة الخصوبة عند الكنعانيين. وبينما تحاول اسرائيل الترويج للزيّ الفلسطيني التقليدي كسلعة وطنية اسرائيلية، لتقيم معارض الأزياء الشـعبيـة الفلسـطينيـة على أنها أزياء شـعبيـة يهوديـة، وتستغل في انتاجها الأيدي العاملة الفلسطينية التي يدفعها العوز، يحاول الفلسطينيون التأكيد على هويتهم وأحقيتهم بوطنهم من خلال العودة الى التراث وإحيائه في كافة المحافل الحياتية. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه الهموم على الفن التشكيلي، فالفنان الفلسطيني الذي يعتبر مرآة لمجتمعه يعبّر بصدق عن تجربته المنبثقة من واقع شعبه ووطنه، ويصيغ مفرداته التشكيلية من محيطه الاجتماعي، سواء كان ذلك بشكل واعٍ أم غير واعٍ.



إمرأة من بيت لحم بزيها التقليدي , مجموعة متحف فرحات



  
نلمح في مجموعة فرحات للفن الحديث والمعاصر بعض الأعمال الفنية التي اتخذت من الزي الشعبي الفلسطيني ثيمة لها، مثل أعمال الفنانتيْن ماري توما و بثينة أبي ملحم، اللتان جعلتاه الحامل لتجربتهما الفنية، فنجد الزي التراثي هنا مشحوناً بالرموز والإشارات ذات الدلالة التي تأسر المتلقي بلغتها التشكيلية.

استطاعت ماري توما Mary tumaالمتحدرة من أصل فلسطيني، والمقيمة في أميركا، أن تستفيد من إعدادها الفني كمصممة أزياء لتنتج أعمالاً فنية شرقية الوجه ولكن بلغة غربية، تعبر فيها عن الواقع السياسي والاجتماعي لفلسطين.

في عملها “Homes For The disembodied”، استخلصت ماري توما من الزيّ الفلسطيني التقليدي روح الكفاح الفلسطيني المتغلغلة في حنايا هذا الثوب إلى حد الالتصاق فسلختها عنه وكستها الأسود في محاولة لمعالجة فكرة القهر والظلم وامتداد معاناة الفلسطينيين وتكرارها واستمرارها التاريخي.



“Homes For The disembodied” بيوت اللاتي لا بيوت لهن , ماري توم



 
نشعر أن هذا العمل مستوحى من الزيّ التقليدي لمنطقة أريحا والبحر الميت، الذي يُصنع من الحرير الأسود والمتميّز بطوله، غير أن التطريز الذي يمتد على طول الثوب الفلسطيني والموكّد لهويّته قد انمحى عند الفنانة، اسقاط الهوية كان متعمداّ للخروج من شعور ذاتي خاص إلى شعور انساني عام، وفي تعميم التجربة، تصبح حالة الفلسطينيين حالة انسانية جمعاء.

خاطت من ثمان وأربعين متراً من الحرير الأسود خمسة أثواب متماثلة جعلتها متصلة بأذيالها، بحيث تكون نهاية حاشية الثوب الأول هي بداية لحاشية الثوب التالي. وكما تتصل الأثواب ببعضها تتواصل المعاناة، وكما تتماثل تتوحّد التجارب بنوع من وحدة حال تجمع بين أقدارالفلسطينيين، فلا نفرق بين شخصية وأخرى لأن القصة واحدة، وكأن هناك متلازمة لا تنفصم عراها بين الجنسية الفلسطينية والقهر والظلم والتهجير.

نلحظ في عمل توما غياب الشكل الانساني، لتحل مكانه هذه الارواح الهائمة المتشحة بالسواد، التي لا تستكين مذ هجّرت وأجبرت على ترك أرضها قسراً، اجتثت من جذورها لتتشتت حول العالم، تائهة المصير تشدها الى بعضها ذاكرة جماعية يحاول العدو الصهيوني دثرها وسلبها موروثاتها.



عمل للفنانة بثينة أبو ملحم



  وبخلاف توما، نرى التراث في أعمال بثينة أبو ملحم Bouthaina Abu Melhemالفلسطينية الاصل، الإسرائيلية المواطنية، أقوى حضوراً، كونها استعانت من مفرداته بشكل مباشر، فإذ به يغزو المعاصرة ويدمغها ببصمته. أعمالها الفنية مشحونة بالدلالات والرموز التشكيلية، وتدور حول ثيمة أساسية، هي الوحدة المتكاملة المؤلفة لمعالجتها، ثيمة “الثوب- الجسد”، حيث يصبح الأثر الانساني، “الثوب”، في عمل بثينة هو الانسان ذاته.

الثوب جاهز الصنع، متشرّب للون عتيق أليف، لون القهوة والشاي، تخط الخيطان رسومها فوق قماشته بقطب قاسية نافرة، بينما تغرز الدبابيس والأبر براثنها في ثناياه، وهو مغمس بالشمع بحيث يكوّن القماش والخيطان ذلك الفتيل القابل للاشتعال. كل هذه العناصر تحتشد بعفوية عابثة ولكن وفق تخطيط يرفع هذا الثوب الى مصافي العمل الفني، خاصة وأن الفنانة قد ضمنته روح التراث المتجدد حين اقتطعت أجزاء من تطريزات الثوب الفلسطيني التقليدي وخاطتها إلى الثوب المصلوب، بما في وضعية الصلب من دلالة على العذاب والمعاناة والتضحية.

ويدخل في معالجة “الثوب- الجسد” نص كلامي، فيندمج النصان اللغوي والبصري وكأننا في حضرة منمنمة قديمة. الكلمات هنا لا تلعب دوراً تشكيلياّ فقط، فالجمل اختارتها الفنانة من الأقوال المأثورة كي ترسل إشارات تعبر فيها عن هواجسها، ويبقى الهاجس الأساسي التمسك بالهوية والقضية :”كل من فات قديمه مات”.

يترك التفاعل بين المتلقي والمنجز الفني، هذا الانطباع المؤلم في النفس، شعور بأن هذه الأثواب هي لعزيز غائب، ولكنك لا تستطيع أن تمد يدك لتحتضن هذا الثوب وتشم ريحه، لإن الأبر ستنال منك وتغرز الدبابيس رؤوسها في جلدك، فتتساءل بينك وبين نفسك: ألم يكن بإمكان هذه اليد التي خاطت القطب لتلأم الجرح المفتوح أن تنزع الدبابيس والأبر المغروزة في الثوب-الجسد؟ أم أن هذا ما علينا ان نكابد عناءه كي نكون فقط، نحن؟

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s