ذاكرة تأبى النسيان بقلم هيسم شملوني

إفتتاح المعرض في بيروت , قاعة رسالات
من معرض بيروت
رغم أن المعرض قد مر عليه وقت، لكن للصورة أثرها البالغ وهي اليوم تشكل شاهداً على ما يجري من أحداث في وطننا العربي. “البنك اللبناني للصورة” التابع لـمتحف فرحات كان قد أقام معرضاً للصور الفوتوغرافية تحت عنوان “عدوان تموز بعيون المصورين”، وذلك في كل من النبطية وصور وبيروت، وجرى عرض 45 إلى 80 صورة فوتوغرافية من “البنك اللبناني للصورة” عمل على التقاطها 24 مصوراً صحافياً لبنانياً أثناء الحرب، تناولت الصور مشاهدات حية من العدوان الصهيوني وآثاره ما بين قتل، ودمار، وتهجير.
من معرض صور , قاعة الجامعة الاسلامية
الصُـوَر الواقعية ــ وقد عُرضت في أكثر من مكان في لبنان ــ ترقى إلى مستوى السريالية، فقد أراد المصورون الصحفيون تقديم شهاداتهم التاريخية حول الحروب والصِّـراعات الدّائرة في الشرق الأوسط عامة، لا سيما تلك الحرب المسعورة، التي شنتها إسرائيل على لبنان في تموز من عام 2006م، إذ أمضى بعضهم سنوات في قلْـب ساحات الحروب وميادين القِـتال، يُـزاولون مهنتهم كأي مقاتل في المهام الخاصة، فهم القريبون دائماً من خطوط التماس، وبين الأنقاض والضحايا، يأخذون لقطاتهم لواقع جعلته الهجمات الصهيونية واقعاً أكثر سريالية من السريالية ذاتها، واقع ينسجم مع الفهم الصهيوني منذ النشأة حتى الآن، فأعادت ترتيبه وفق منطقها المخالف للإنسانية جمعاء. من تحت القصف، ومن بين «زخات» الرصاص، وتحت دوي القنابل وهدير الطائرات، وعلى مقربة من جنازير الدبابات، والأشلاء المتناثرة، وربما الجثث المتفسخة أو المتفحمة تأتي لقطات المعرض، لتقول كلمتها الأبلغ من المفردات والقواميس اللغوية للغات العالم كله.
من معرض صور
زائرِ المعرض، تتحرّك مشاعِـره، ويُـعلن التمرّد على الصّـمت واللامبالاة من كل ما يحدث من جرائم بحق الإنسان العربي خاصة، والإنسانية عامة، ذلك أن صُـوَر المعرض ناطِـقة ولا تحتاج إلى تعليق، وهي شارحة لذاتها ولا تحتاج إلى توضيح، كما أن القائمين على المعرض والمصورين، الذين قاموا بالتصوير من داخل جَـبهات النار، لا يتحدّثون عن معرِض عادِي، إنما عن “مسيرة ومُـغامرة وتحَـدٍّ”. والحقيقة، أن المعرض مُـثير للاهتمام لما يشكِّـله من تحد، أو لفرادته من حيث الحدث والنوع، ذلك أنه يعرض جُـملة من اللقطات ذات الخصوصية اللبنانية المرتبطة بأحداث الهجوم الإسرائيلي الهمجي، لكن ما يلفت الانتباه هو منطق اللقطات البصري وتحرره من ظرفي المكان والزمان، ليأخذ بعده الإنساني بمداه الأوسع.
ورغم حالة النزف الشديد، التي ولدت فيها الصور إلا أنها استطاعت مواكبة ومراعاة المستوى الفني الرفيع وفق معايير فن التصوير الضوئي،وأظهرت قسوة الاعتداء من خلال الدلالة، وليس من خلال الصورة الصحفية الإخبارية المباشرة، فكانت الدلالة أقوى في التعبير وأقل قسوة على عين المتلقي، مع الحفاظ على القيمة الفنية، والبعد الإنساني المُدين لهذا الفعل الوحشي البربري. فقد علقت اللقطات على الجدران، من غير إشارة إلى مواقِـع الأحداث، ولا إلى تواريخها، ومن غير أن تتضمّـن أية تعليقات أو إشارات لبلاغتها، متكئة ربما على مقولة أن “الصورة الواحدة تساوي عشرة آلاف كلمة”.
من معرض صيدا , كورنيش البحر
 ليس هذا النّـهج من قَـبيل المُـصادفة، بل إن الجهة المنظمة أرادت من خلال تجرِبتها إماطة اللِّـثام عن المأساة، التي تجُـرّها الحروب، وأن يُجابه الزّائر ويصدم بالمَـشاهد الحيّـة، التي من شأنها استخراج ما في أعماقِـه الإنسانية من غَـلَـيان وحنق وغَـضب وتشاؤم وألَـم، من أجل النظر إلى مستقبل أفضل وأكثر إشراقاً.
يمكن القول في هذا المعرض، الذي حجب الحالة الوحشية من خلال الصورة المباشرة أن الحقيقة تبدو شاخِـصة أمام الناظرين، رغم فداحة حالة المَشاهد وما فيها من مضمون استفزازي، إلا أن هنالك جروحاً داخلية نازفة وغير مرئِـية، ولا يمكن لعدسات المصوِّرين رغم قدرتهم وبراعتهم وجرأتهم في نقلها، إلا أنها في غالب الأحيان عميقة وغيْـر قابلة للعلاج.. فكيف يُـمكن أن تُمحَى من الذّاكرة تلك اللقطات الفظيعة، كمشهد الدمار والجُـثث المُـتفحِّـمة من مشاهد الضاحية الجنوبية، أو في صور، والنبطية، وبنت جبيل.. ومن صور سيارات الإسعاف المقصوفة وجثث المسعفين بزيهم، الذي كان أبيضاً، وحالة النزف العام، التي أصابت البشر والحجر والشجر.
من صيدا
 لابُـد من الإشارة إلى أن المعرض يشكِّـل شهادة دامِـغة على مآسي الحروب، وهو يوصل رسالة قوية، ملخصة في صرخة “جيفارا” المشهورة “هذه الإنسانية قالت كفى”، وأخذ العِـبر والدّروس، محذراً من الاستِـسلام للتشاؤم أو من فقدان الأمل، ويُذكّـر بأن الغاية الحقيقية من وراء هذا المعرض ومقصده، هي إرادته في تسجيل انطباعات، وتقديم شهادت لاتزال حية بضحاياها وأبطالها، ومجرميها، لكي لا تُمْـحى هذه الأحداث من ذّاكرة الوطن والمواطن ويطويها النِّـسيان.
 الجدير بالذكر أن المصورين المشاركين هم علي سيف الدين، بلال قبلان، بلال جاويش، عصام قبيسي، عباس سلمان، حسن عبد الله، كامل جابر، مصطفى جمال الدين، أنور عمرو، محمود الزيات، محمد الزعتري، مروان طحطح، علي حشيشو، علي لمع، علي علوش، يوسف بدر الدين، حيدر حاويلا، كرم الله ضاهر، لطف الله ضاهر، رونيث ضاهر، وسام المقداد، محمود شهاب، فادي أبو غليوم، ليال نجيب (شهيدة حرب تموز، التي أستشهدت في صور).
من معرض النبطية
أخيراً يعلق السيد نعيم فرحات: ينظر متحف فرحات إلى الصورة أبعد من كونها الخبر أو الواقع أو الحقيقة، إن متحف فرحات يقدر الصورة كعمل فني وذائقة  التأليف وحسن الاختيار والإبداع في إطار الصور من أهم الأسباب، التي رفعت الصورة إلى مستوى الفن، والمصور غدا فناناً، وفي كثير من الأحيان الصورة مثلت عملاً فنياً مفهومياً، وفي أحيان أخرى أستخرج من الواقع الملموس لوحات سريالية خيالية

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s