الفنان عبد الرؤوف شمعون -الدستور ـ إلياس محمد سعيد


عبد الرؤوف شمعون , مجموعة متحف فرحات



“من خلال لقاءاته المستمرة مع عدد من الفنانين من جيل الرواد أصبحت اتجاهاته بالفن تأخذ طابعاً جديداً وجاداً في الوقت نفسه” ، قال الفنان التشكيليّ المرموق محمود طه وهو يتحدث عن الفنان التشكيليّ عبد الرؤوف شمعون أثناء المعرض الذي افتتحه د. هشام الخطيب للفنان مساء الأربعاء الفائت في غاليري ,14

المعرض نفسه ضمّ ثلاثة وثلاثين عملاً جديداً تنوعت التقنيات فيها من حيث المواد الخام المستخدمة ، ومن حيث فلسفة التقنية ذاتها. محمود طه الذي تعرف إلى عبد الرؤوف شمعون في منتصف السبعينيات من القرن الفائت قال إنّ الفنان شمعون يمتلك أدوات هامة كثيرة ومتنوعة ، ثم ذكر منها “الجانب الثقافيّ الرفيع في اللغة ، وفي الأدب ، وفي النقد” ، وأضاف أنّ ذلك “مكنَّه من دخول ساحة التشكيل بقوة”. بالتالي ، يرى محمود طه أنّ الفنان عبد الرؤوف شمعون “استطاع أنْ يطرح أعمالاً جادة” ، ثم يصف هذه الأعمالَ بأنها “بقيتْ تتطور وتأخذ ـ بشكل تدريجيّ ـ الأسلوب التجريديّ والحداثيّ في الفن التشكيليّ”.
 



عبد الرؤوف شمعون , مجموعة متحف فرحات

 

وإذا أردنا استخدام تعبير محمود طه نفسه ، سنجد أنّ الفنان عبد الرؤوف شمعون “لم تغْرًهً الصَرْعاتُ الفنية التي كانت تظهر بين فترة وأخرى”. هكذا كان عبد الرؤوف شمعون حذراً من التعامل إلاّ مع “مظاهر جادة بالفن التشكيليّ سواء من النواحي الجمالية” أو من ناحية المضمون ، بخاصة ما يتعلق “بالقضية الفلسطينية” كما يقول محمود طه قبل أنْ يضيف: “وهذا ما أراده دائماً شمعون ، حيث انطلق فنه في البداية بأسلوب يأخذ هموم الوطن وأبعاد مآسيه” باعتبار ذلك أولوية. “واليوم ،”يقول محمود طه ، “يخرج إلينا عبد الرؤوف شمعون بأعمال ترقى إلى مستواه الثقافيّ”.


عدد هائل من الزوار اكتظ بهم المكان ، وراحوا يتنقلون من لوحة إلى أخرى. كثير منهم مثقفون ، وكتّاب ، وفنانون ، وإعلاميون. تحدثتُ إلى الأستاذ يوسف حوراني ، فقال إنّ عبد الرؤوف شمعون “فنان ذو حساسية عالية تجاه الحياة وتجاه قضية شعبه”. يوسف حوراني ، بحكم اطلاعه على تجربة الفنان ، قال: “إنني أتلمس في أشكال عبد الرؤوف ، وفي ألوانه ، أنها امتداد طبيعيّ لشخصيته ولحسًّه الفنيّ”. ويرى حوراني أنّ المراحل التي مرت بها تجربة الفنان شمعون تتسم “باتصالها: فلا قطيعة بين مرحلة والتي تسبقها أو التي تليها” ، ثم وضح أنْ ما ثمة “فراغ في التكنيك” ، وذهب إلى عدم وجود فجوات في “الألوان أو المساحات أو الفضاءات في اعمال الفنان” ، وقال إنّ المتتبع لأعمال عبد الرؤوف “يستطيع أنْ يلمس مدى التصاقه بالبيئة التي نشأ فيها”. هكذا ، يرى يوسف حوراني أنّ الناظر إلى لوحات شمعون “يجد فيها صورة الشهيد ، وصورة المجتمع ، والنزعة إلى المقاومة” ، وقال أيضاً: “إنّ عبد الرؤوف من أكثر الفنانين ثقافة ، ومن أشدهم إدراكاً ووعياً للفن ولدوره في الحياة”. إذنْ ، من وجهة نظر يوسف حوراني ، شاهد زوار المعرض “أعمالاً منسجمة مع ثقافة الفنان ووعيه”.


 

“عبد الرؤوف شمعون صاحب بصمة خاصة بالفن التشكيليّ في مادة الرسم ، وفي أسلوب الرسم ، وفي المواد الخام” ، قال الكاتب والروائيّ هاشم غرايبة بعدما أنهى جولته في المعرض ، وفي الحقيقة يحكي هاشم غرايبة كيف ـ منذ عرف عبد الرؤوف ـ وهذا الفنان يستعمل الضربات القوية للون ، والواضحة في واجهة اللوحة. “الجديد في هذا المعرض ،”يقول صاحب أوراق معبد الكُتَبا ، هو “الالتزام بالأسلوب وتنويع الموضوعات”. يرى غرايبة أن عبد الرؤوف “يميل إلى إبراز الشكل العموديّ في تفاصيل اللوحة” ، ويعتَبًر أنّ شمعون “عندما يستعمل الخطوط الأفقية ، فإنما يكون ذلك من أجل تقديم الرؤية الجمالية للوحة بشكلها الطوليّ ، أو العموديّ”. ومن الملاحظات الدقيقة التي أبداها غرايبة على أعمال الفنان أنّ “توقيعه يأتي دائماً بشكل عموديّ”. ربما كان هاشم غرايبة واحداً من الذين يتفحصون بشكل نادر أعمال عبد الرؤوف شمعون: فها هو يضيف أنّ “عند هذا الفنان خبرة في استعمال الألوان وفي إعطاء كل لوحة خصوصية لونية مختلفة عن الأخرى” ، وإذا استخدمنا ملاحظة غرايبة نفسه ، سنذهب إلى القول إنّ هناك ألواناً طاغية في كل لوحة ، وإنّ “الألوان الأخرى تؤدي وظيفة مساندة اللون الطاغي”. لاحظ غرايبة أيضاً أنّ هناك “ثلاث لوحات مهمة ضمها المعرض” ، وتكمن أهميتها في أنها قدمتْ لنا “تجديداً في طريقة رسم البورتريه من ناحية الشكل والموضوع”. بعد ذلك قال غرايبة إنّه لاحظ في هذا المعرض أنّ الفنان عبد الرؤوف شمعون لجأ أكثر إلى “استخدام ألوان الفرحة ، وإلى اعتماد المؤثرات البسيطة والعادية”.

الفنان عبد الرؤوف شمعون ذاته لا يحصر نفسه في تقنية محددة ، بل إنه يستخدم تقنيات ذات طبيعة تتواءم مع أسلوبه ، وهو يقول حول ذلك إنه جرب خامات عديدة ، ثم إنه يعتقد أنّ “كل فنان معنيّّ بتطوير ذاته لا بدَّ أنْ يجرّب مجموعة تقنيات ثم يختار منها ما يخدم عمله”. وإذْ يحتوي هذا المعرض على خامات الزيت ، فإنما من أجل “العودة إلى بدايات هذه الخامة وتأسيساتها” ، كما يقول. وفي الحقيقة ، احتوت لوحات المعرض كذلك على خامة الأكرليك ، ثم مزيج مبسط من الخامات جاءت متآلفة على السطح. “ربما يغريني ذلك ، في ما بعد ، إلى استخدام الكولاج” ، يقول عبد الرؤوف شمعون قبل أنْ يضيف: “وهو من التكوينات المحببة لديّ إذْ إنّ أية تقنية تخدم ملامس السطوح وتنوعها هي في دائرة اهتمامي الخاص”. يلخص عبد الرؤوف شمعون فلسفة العمل الذي أنجزه في هذا المعرض بقوله: “منذ ما يقرب خمسة عشرة سنة مضتْ ، تكونتْ لديّ فلسفة فنية لم تكن إلاّ نتيجة مكوناتْ ثقافيةً واجتهادات فكرية بعضها انزاح مع الماضي ، وبعضها تطور إلى ما يشبه الرؤية الجمالية لعناصر عملي الفنيًّ ، والمستندة أساساً إلى ما كان بعنوان هندسة الخراب. ومثل هذه الرؤية ما زالت مؤثرة حتى الآن ، حيث انشغلتُ طويلاً في عملية تأمل للمرئي ، ومحاولة تحويله إلى صياغة فنية تلخص تلك الأشكال المرئية سواء تلك التي أتعايش معها في الواقع ، أو تلك التي تتشابه مع ما عشته في الماضي”.
( يمتلك متحف فرحات مجموعة قيمة ومتنوعة من أعمال الفنان عبد الرؤوف شمعون والتي شكلت  بدورها جزءا هاما من مجموعة الفن الفلسطيني المقتنى من قبل المتحف) 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s